محمد هادي معرفة

64

التمهيد في علوم القرآن

أقصر سورة فيه إنّما هي الكوثر « 1 » ، وفيها إعجاز من جهتين : أحدهما : أنّه قد تضمّن خبرا عن الغيب قطعا قبل وقوعه ، فوقع كما أخبر عنه من غير خلف فيه ، وهو قوله : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ « 2 » لما قال قائلهم : أنّ محمدا رجل صنبور « 3 » فإذا مات انقطع ذكره ، ولا خلف له يبقى به ذكره ، فعكس ذلك على قائله ، وكان كذلك . والثاني من طريق نظمه ، لأنّه على قلّة عدد حروفه ، وقصر آية ، يجمع نظما بديعا ، وأمرا عجيبا ، وبشارة للرسول ، وتعبّدا للعبادات ، بأقرب لفظ وأوجز بيان . ثم أن السور الطوال متضمّنة للإعجاز من وجوه كثيرة نظما وجزالة وخبرا عن الغيوب ، فلذلك لا يجوز أن يقال : انّ القرآن معجز واحد ولا ألف معجز ، ولا اضعافه ، فلذلك خطّأنا قول من قال : أنّ للمصطفى ( صلى اللّه عليه وآله ) ألف معجز أو ألفي معجز ، بل يزيد ذلك عند الإحصاء على الألوف . ثمّ الاستدلال في أن القرآن معجز ، لا يتمّ إلّا بعد بيان خمسة أشياء : أحدها : ظهور محمّد ( صلى اللّه عليه وآله ) وادعاؤه أنّه مبعوث إلى الخلق ورسول إليهم . وثانيها : تحدّيه العرب بهذا القرآن الذي ظهر على يديه ، وادعاؤه أنّ اللّه أنزله عليه وخصّه به . وثالثها : أنّ العرب مع طول المدّة لم يعارضوه .

--> ( 1 ) ستوافيك رسالة الزمخشري في إعجاز سورة الكوثر بحثا مستوف كليا عن إعجاز القرآن أوّلا ، وعن خصوص هذه السورة المباركة ثانيا . . ( 2 ) الكوثر : 3 . ( 3 ) الصنبور - كعصفور - : النخلة المنفردة من النخيل ، والتي دقّت من أسفلها وانجرد كربها وقلّ حملها ، ثم كنّي عن الرجل الضعيف الذليل ، بلا أهل ولا عقب ولا ناصر .